يحدث أحياناً أننا نفكّر في شيء دون أن نصرّح به أو نكتب عنه، ثم نفتح أجهزتنا أو هواتفنا فنجد إعلانًا عمّا كنا للتو نفكّر فيه؟ فهل هذا شيء من الكهانة أو السحر الاصطناعي؟ وهل بات الذكاء الاصطناعي يقرأ الأفكار المحبوسة في الدماغ دون أن نكتبها أو ننطق بها!
للإجابة على هذه التساؤلات المريبة دعنا نستعرض الأمر من زوايا علمية وفلسفية. بداية هناك مجال يسمى (BCI ) اختصارًا لـ Brain-Computer Interface ، أي واجهة الدماغ والحاسوب، يجمع بين علوم الأعصاب والهندسة والذكاء الاصطناعي، يهدف إلى إنشاء قناة اتصال مباشرة بين الدماغ وأجهزة الحاسب دون الحاجة إلى كلام أو حركات للأطراف أو العضلات
قفز هذا المجال منذ الألفية الجديدة مع انفجار نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية، قفزات هائلة؛ حيث ظهر مشروع Brain Gate في جامعة براون عام 2004 الذي مكّن المصابين بالشلل من تحريك مؤشرات الكمبيوتر. وتمكن Willett رفقة باحثين في بحث نشرته مجلة Natureعام 2021 من إعادة كتابة نص عبر إشارات دماغ مزروعة.
وفي عام 2016، أسس إيلون ماسك شركة “نيورالينك” (Neuralink) بهدف يسق المستقبل يتمثل في سد الفجوة بين الذكاء البشري والآلات. تركز الشركة على تطوير تقنيات متقدمة لإنشاء واجهات دماغ حاسوبية (BCI) عالية الدقة. يتمثل الابتكار الجوهري في تصاميم “نيورالينك” في تطوير شرائح صغيرة قابلة للزرع في الدماغ، تستطيع تسجيل ونقل البيانات العصبية لاسلكيًا. تهدف هذه التقنية الرائدة إلى تمكين الأفراد، وخاصة أولئك الذين يعانون من حالات عصبية مستعصية، من التحكم في الأجهزة الرقمية باستخدام أفكارهم فقط، مما يفتح الباب أمام علاجات طبية ثورية وتصورات مستقبلية للتعايش البشري مع الذكاء الاصطناعي.
إذن فكرة هذا المجال (BCI) باختصار، أنه يتطلب أجهزة متخصصة ذات كلفة عالية تقوم بالتقاط الإشارات الكهربائية أو العصبية الناتجة عن نشاط الدماغ (مثل موجات ألفا وبيتا) باستخدام حساسات أو أقطاب دقيقة، ثم تُحوَّل هذه الإشارات إلى بيانات رقمية تفسّرها خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتفهم ما يحاول الشخص فعله أو التفكير به.
هذا يقودنا إلى أن قراءة إشارات الدماغ عند التفكير في أمر ما، لا يمكن أن يحدث في الحواسيب الشخصية أو الهواتف الذكية. إذن ما يحدث ليس “قراءة أفكار”، بل تفكيك للسلوك والبيانات، ويمكن توضيح ذلك من خلال النقاط التالية:
- أولاً: نماذج الإعلانات تتنبأ باحتمالات اهتماماتك وسلوكك دون الحاجة للتنصت، من خلال إنشاء بصمة رقمية دقيقة لك. فهي تحلل سجل تصفحك وقراءتك، وبيانات موقعك الجغرافي، وتربطها بأنماط مستخدمين يشبهونك، لتتوقع ما قد ترغب به لاحقًا. وبهذا تستخدم خوارزميات التعلم الآلي لعرض الإعلان المناسب في اللحظة الأنسب.
- ثانياً: من جانب نفسي فلسفي: شعور المستخدم بأن “الهاتف يقرأ الأفكار” هي ظاهرة شائعة ومثيرة للاهتمام، ويمكن تفسيرها من خلال عدة عوامل، أهمها:الانحياز التأكيدي: هو ميل معرفي (Cognitive Bias) متجذّر في الطبيعة البشرية، يجعل الأفراد يبحثون عن المعلومات، ويفسرونها، ويتذكرونها بطريقة تؤكد أو تدعم معتقداتهم وافتراضاتهم المسبقة. فبدلاً من تقييم الأدلة بموضوعية وحيادية، يميل الدماغ البشري لا شعوريًا إلى تفضيل المعلومات التي تعزز ما يؤمن به الفرد مسبقًا، ويتجاهل أو يقلل من أهمية الأدلة التي تتعارض مع تلك المعتقدات. فعندما يبدأ الشخص بالاعتقاد بأن هاتفه يتجسس عليه، فإنه يصبح أكثر انتباهًا للمعلومات التي تدعم هذا الاعتقاد. على سبيل المثال، إذا تحدثت عن منتج معين ثم رأيت إعلانًا عنه لاحقًا، فإن دماغك يسجّل هذه الملاحظة كدليل على التجسس ويتجاهل آلاف المرات الأخرى التي لم يظهر فيها أي إعلان مطابق. هذا الانتقاء للمعلومات يعزز الاعتقاد الأصلي، مما يجعل الظاهرة تبدو أكثر واقعية.
- وهم التردد (Frequency Illusion): ويُعرف أيضًا باسم “ظاهرة بادر-ماينهوف” (Baader-Meinhof Phenomenon). الذي يقود إلى الانحياز المعرفي؛ حيث يجعلك تشعر فجأة أن كلمةً أو فكرةً أو شيئًا تعلمته للتو يتكرر في كل مكان بغزارة غير طبيعية، رغم أنه كان موجودًا من قبل. ينشأ هذا الوهم من عمليتين عقليتين: الانتباه الانتقائي (Selective Attention)، الذي يجعل عقلك أكثر حساسية لالتقاط الشيء الجديد، والانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)، الذي يركز على التأكيدات ويتجاهل التناقضات. فمثلاً، حين تلاحظ لأول مرة تطابقًا بين حديثك وإعلان على هاتفك، يصبح دماغك مهيأً للبحث عن مزيد من الأدلة، فيُضخّم التطابقات العشوائية ويُنسى آلاف المرات التي لم يحدث فيها شيء، مما يُولّد شعورًا زائفًا بتكرار مريب؛ فيغذّي ذلك في نفسك شعوراً مفاده “هاتفـي يقرأني”.
- ثالثاً: خوارزميات التعلّم الآلي سبقتك إلى ما تفكّر به؛ لأنها ترصد التفاصيل التي تمرّ دون انتباهك: كم ثانية توقفت عند صورة أو مقطع أو مقالة، كم مرة عدت لصفحة معيّنة، كيف تتقاطع اهتماماتك مع أصدقائك، وأين تتحرك وماذا تتابع عبر المنصات… لتكوّن في النهاية صورة دقيقة عنك، أشبه بمرآة رقمية تعرف وجهتك قبل أن تخطو نحوها.
- وختاماً أقول: الهاتف لا يقرأ أفكارك ولا يلتقط موجات دماغك، فلا هوائيات في الهاتف تلتقط موجات ألفا، ولا بروتوكول يترجم نشاط القشرة الدماغية إلى كلمات. ما لدى الهاتف ببساطة ميكروفون يسمعك أنت لا أفكارك، وكاميرا تراك أنت لا ما يدور في ذهنك. أما بقية المستشعرات كالحركة والموقع فهي لا تقرأ الوعي، ولا النية ولا تتنبأ بالأفكار ولا تتكهن بها، بل ترسم خريطة تحركاتك ورحلاتك وسلوكك اليومي، بينما تتكفّل ملفات التتبّع في التطبيقات بتحليل أنماط استخدامك لتُحوِّلها إلى بيانات تسويقية وسلوكية تُستخدم في تخصيص الإعلانات أو تحسين تجربة المستخدم

